أحمد مصطفى المراغي

148

تفسير المراغي

( 4 ) ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) أي وأوجد كل شئ بحسب ما اقتضته إرادته المبنية على الحكم البالغة ، وهيأه لما أراد به من الخصائص والأفعال التي تليق به ، فأعدّ الإنسان للإدراك والفهم ، والتدبر في أمور المعاش والمعاد ، واستنباط الصناعات المختلفة ، والانتفاع بما في ظاهر الأرض وباطنها ، وأعدّ صنوف الحيوان للقيام بأعمال مختلفة تليق بها وبإدراكها . والخلاصة - إن كل شئ مما سواه مخلوق مربوب ، وهو خالق كل شئ وربه ومليكه وإلهه ، وكل شئ تحت قهره ، وتسخيره وتقديره ، ومن كان كذلك فكيف يخطر بالبال أو يدور في الخلد كونه سبحانه والدا له أو شريكا له في ملكه كما قال : « بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ؟ » الآية . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 3 ] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً ( 3 ) الإيضاح بعد أن وصف سبحانه نفسه بصفات العزة والجلال ، وبيّن وجه الحق في ذلك أردفه حكاية أباطيل عبدة الأوثان الذين اتخذوا من دونه آلهة ، تعجيبا لأولى النّهى من حالهم ، وتنبيها إلى خطأ أفعالهم ، وتسفيها لأحلامهم ، فقد انحرفوا عن منهج الحق وركبوا المركب الذي لا يركبه إلا كل آفن الرأي ، مسلوب العقل . وقد أبان سبحانه ما بها من النقص من وجوه متعددة : ( 1 ) إنها لا تخلق شيئا ، والإله يكون قادرا على الخلق والإيجاد . ( 2 ) إنها مخلوقة ، والمخلوق محتاج ، والإله يجب أن يكون غنيا عن كل ما سواه .